فخر الدين الرازي

62

تفسير الرازي

في هذه المسألة فقال : مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح ، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها ، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها . قال : وهذه الآية تبطل ذلك ، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها ، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية . والجواب من وجوه : الأول : أن المراد بالاذن الرضا . وعندنا أن رضا المولى لا بد منه ، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه ، وثانيها : أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن ، وذلك إما المولى أن كان رجلا ، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة . وثالثها : هب أن الأهل عبارة عن المولى ، لكنه عام يتناول الذكور والإناث ، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام : " العاهر هي التي تنكح نفسها " فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها ، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وآتوهن أجورهن بالمعروف ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الآية قولان : الأول : ان المراد من الأجور : المهور ، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها ، سمي لها المهر أو لم يسم ، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى ، وبين من لم يسم في إيجاب المهر ، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى : * ( بالمعروف ) * ( البقرة : 33 ) وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) * الثاني : قال القاضي : ان المراد من أجورهن النفقة عليهن ، قال هذا القائل : وهذا أولى من الأول ، لأن المهر مقدر ، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه ، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة ، ثم قال القاضي : اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر ، وحملوا قوله : * ( بالمعروف ) * على ايصال المهر إليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير . المسألة الثانية : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها ، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية ، وهو قوله : * ( وآتوهن أجورهن ) * وأما الجمهور فإنهم احتجوا على أن مهرها لمولاها بالنص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : * ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) * ( النحل : 75 ) وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا ، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع ، وتلك المنافع مملوكة للسيد ، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح ، فوجب أن